محمود توفيق محمد سعد

299

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

وكلمة ( حجة ) جاءت في آية القصص ( ي : 27 ) والغالب عند أهل البيان أنّ كلمة " سنة " أكثر ما تستعمل في الحول الذي فيه جدب وشدة ، والعام بما فيه الرخاء والخصب ، يقال أسنت القوم أصابهم الجدب ، كما يقول الراغب في " المفردات " والبقاعيّ يشير في بعض المواضع إلى تلك الفروق من ذلك ما تراه عند تأويله قول اللّه عزّ وجلّ : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( البقرة : 96 ) يقول : " . . . . والسنة : أمد تمام دورة الشمس وتمام ثنتي عشرة دورة القمر - قاله الحرالي . وهذا المعنى وإن كان موجودا في الحول والعام والحجة غير أنّ مأخذ الاشتقاق ملاحظ في الجملة ، فبلاغة القرآن الكريم لا تطلق واحد من هذه الألفاظ إلا فيما يناسب السياق من أصل اشتقاق هذه الألفاظ . فهذا السياق لمّا كان المراد به ذمهم بتهالكهم على بقائهم في الدنيا على أيّ حالة كانت علما منهم بأنّها ولو كانت أسوأ الأحوال خير لهم مما بعد الموت لتحقّق شقائهم عبّر بما منه الإسنات وهو القحط وسوء الزمان ، أو ما منه الدّوران الذي فيه كدّ وتعب إن كان أصلها من سنا يسنو إذا دار حول البئر . قال السهيلي في " الروض " : وقد تسمى السنة دارا في الخبر : إنّ بين آدم عليه السّلام ونوح عليه السّلام ألف دار أي سنة ثمّ قال : فتأمل هذا فإنّ العلم بتنزيل الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها اللائقة بها يفتح بابا من العلم بإعجاز القرآن ، واللّه المستعان ) ) « 1 » وفي قول اللّه سبحانه وتعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ ( العنكبوت : 14 ) ينظر وجه البيان أولا بالسنة وآخرا بالعام ، فيقول : " . . . عبّر بلفظ " سنة " ذما لأيام الكفر ، وقال " إلا خمسين . . . عاما " إشارة إلى أنّ زمان حياته عليه السّلام بعد غرقهم كان رغدا واسعا حسنا بإيمان المؤمنين وخصب الأرض " « 2 »

--> ( 1 ) - نظم الدرر : 2 / 63 ( 2 ) - السابق : 14 / 404